الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

221

مناهل العرفان في علوم القرآن

ولا يفوتنك في هذا المقام أن تعرف أن ابتلاء اللّه لعباده ليس المراد منه أن يعلم سبحانه ما كان جاهلا منهم « حاشاه حاشاه » فقد وسع كلّ شئ علما . إنما المقصود منه إظهار مكنونات الخلق ، وإقامة الحجج عليهم من أنفسهم فلا يتهمون اللّه في عدله وجزائه ، إذا جعل من الناس أهلا لثوابه وآخرين لعقابه . « وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً » . ( الرأي الثاني في فواتح السور ) إن لها معنى مقصودا معلوما . قالوا : لأن القرآن كتاب هداية ، والهداية لا تتحقق إلا بفهم المعنى ، خصوصا أننا أمرنا بتدبر القرآن والاستنباط منه ، وهذا لا يكون إلا إذا فهم المعنى أيضا . غير أن أصحاب هذا الرأي تشعبت أقوالهم في بيان هذا المعنى المقصود بفواتح تلك السور ، فذهب بعضهم إلى أن فاتحة كل سورة اسم للسورة التي افتتحت بها ، واستدلوا بآثار تفيد ذلك ، منها ما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « يس قلب القرآن » وقوله « من قرأ حم السّجدة حفظ إلى أن يصبح » . ومنها اشتهار بعض السور بالتسمية بها . ثم إن ورودها في فواتح سور مختلفة بلفظ واحد ، ينافي كونها أسماء للسور . بل شأنها في ذلك شأن الأعلام المشتركة اشتراكا لفظيا كلفظ محمد المسمى به أشخاص كثيرون . فيضم إلى اسم كل منهم ما يميز مسماه عن غيره فيقال : محمد المصري ومحمد الشامي مثلا . وكذلك فواتح السور يقال فيها : « ألم البقرة وألم آل عمران وحم السجدة » وهلم جرا . وبعضهم ذهب إلى أنها أسماء للحروف الهجائية التي وضعت بإزائها . وهؤلاء منهم من قال : إن المقصود من ذلك هو إفهام المخاطبين أن الذي سيتلى عليهم من الكلام الذي عجزوا عن معارضته والإتيان بمثله ، إنما تركب من مثل هذه الحروف التي في الفواتح ، وهي معروفة لهم ، يتخاطبون بما يدور عليها ولا يخرج عنها